ليلة القدر
وجودك ذنبٌ لا يُقاس به ذنب
كابوس اسمه الثورة

 

كابوس

تشرب عيوني وضاءة جبينه، نضارة خديه، عنقه، أفدّيه، وأهش عن رأسي خفافيش الدماء.

يتغضن جبينه وهو يحكي لي تفاصيل الأحداث الأخيرة.. طلقة تخترق الجبين يتناثر دماغه على وجهي، اللعنة على الشيطان، أهز رأسي وأتصنع الإصغاء، يخبرني آخر طرفة سياسية، ويضحك، الخد مشجوج ودماء تسيل على العنق.

أطوف في الطرقات، أملأ ناظري بنظافة الشوارع، الأرصفة بطوبها المرصوص حديثا، الجزر الخضراء وأزهار موسم الربيع، ستار يهبط على بصري، الأرصفة مهدّمة والطوب متناثر في كل مكان، .. دخان ونار..

دندنة

سماعة رأسي تقرع طول اليوم (الثورة .. الثورة .. شرف شرف توج هامات الأبطال) .. ودج ودج .. حمم حمم .. وهج وهج .. تبا تبا  لكل شيء.. رحماك ربي.. من ينجينا من لعنة الحرب؟

مهمة من؟

أيها الموعود لإسقاط عروش الظالمين؟ ها هي عروش الجبابرة تتهاوى تباعا، كل فرعون يجر معه التالي للجحيم، ما القصة يا أبا صالح؟ هل سيقوم الناس بالمهمة (بعدين تجي انت ع الجاهز) ؟!

افهمني يا قرّة عيني.. إننا منذوروك .. لا نفر من الموت ولا نركن للدنيا، لكن دعنا حين نموت نموت خلف راية نحبها ونثق بها، دعنا نموت مطمئنين.. لا تتركنا نتخبط حتى في موتنا!

يقولون أن الثوار في مصر بلا قائد .. يا للعجب، وينظّرون.. (الشارع يقود الثورة والنخب تمشي وراءه) وأضحك في سري .. يطيب لي شعوري بأن يدك وراء كل هذا .. وأن لك في الأرض أبدال وأوتاد ولو جهلهم الناس.

توقيع بيان

يمرر لك الأصدقاء بيانات شجاعة أو متهورة – سيان- طالبين دعمك لتحرير الوطن..

من أجل من يا مجتمع متنكر؟ يمر المرء بأزمات لا يجد أحدا يسانده .. لا أب .. لا أخ .. لا عائلة ... لا مؤسسات

اليوم تطلبون مني أن أكون الفدائي؟ نكاية بمجتمع لا يستحق .. لن أوقع

آخر شطحة:

تحدثني نفسي أن أترك رسالة لـ (أبو العيال) أخبره فيها أني سئمت كل هذا .. وأني ما عدت أعبأ بشيء.. أوصيه بصغارنا وأختم رسالتي القصيرة بـ حيا على الشهادة

يا للأدباء ما أوسع خيالهم .. وما أجبنهم

 

(1) تعليقات
شقشقة

 

 

 الوصفة

 خطف الوصفة من يدي، ألقى عليها نظرة ورمقني بغضب

قال لي (ستهلكين نفسك) وكتب لي وصفة أخرى

المدهش أن الوصفتين متشابهتان إلى حد يصعب التفريق بينهما

أثق به، ولا أجرؤ على مناقشته، لكني لا أفهم

قيل لي: في الوصفات الدقيقة تكون الأخطاء الصغيرة قاتلة

قلت لهم (كانت مجربة)

قالوا: كم تجرمين بحق نفسك حين تفرطين في الأفضل !

هلاّ كان صادقا معي وأخبرني بأنه يريد لي الأفضل؟

 

البضاعة

 

رأيي أنه لا يختلف عنهم، هو أيضا يسوّق لبضاعته

في أوج حماسه يركز على المواصفات التي تتفوق بها سلعته

لا يفكر أنها لا تختلف عن بقية السلع

هو لا يتنافس من أجل كسب العملاء، بل يعتقد بأن ما لديه هو الأفضل

أفضل التعامل معه لأنه واثق بنفسه

ما أكثر السماسرة كل يجذبني لبضاعته

دعوني أعثر بنفسي على ما أريد !

 

الكذب

 

في برنامج وثائقي تابعت حياة كهل يتعاطى المخدرات منذ طفولته

انتهت القصة

ألم يفطن أحد؟

لقد أخبرونا من قبل أن المخدرات أسرع طريق للموت؟!

لا بأس، عذرهم معهم، ونيتهم طيبة.. يجب أن يرعبوا الناس ليبعدوهم عن خطر المخدرات

بعض الكذب لا يضر

بعض الكذب ضرورة

بعض الكذب فضيلة

وقاحة أن تطالب الآخرين بالصدق معك

حفاظا على شعورك لن تخبرك زوجتك أن رائحة فمك غير طيبة

من أجل الحفاظ على براءتك يؤلف والداك قصصا ارتجالية تزيدك غباء

من أجل (الصالح العام) تخفي الحكومات معلومات خطيرة ومهمة عن مواطنيها

لا تلم أحدا حين يكذب عليك، إنها الطريقة الفاعلة لقيادة الجموع، وقد أثبتت نجاحها على مر التاريخ

 

اقتراح

 

بدل أن تعد الخراف في انتظار النعاس جرب أن تعد الأكاذيب

وابتسم .. اضحك إن كنت أريحيا

(الله يرج ابليسك يا شيخنا .. أجل القبر أظلم .. ليش احنا بعد الموت نشوف بهالعيون)

والتمس لواعظك العذر .. يجب أن يخيف الجموع حتى لا يعتدي بعضها على بعض ولا يظلم بعضها بعضا

ليس خطأه.. إنها سياسة قيادة الجموع

 

الحلم

 

أحلم بأن يحترمني أبي ويخبرني الحقيقة

ويثق بأنني سأفهم

ويتوقف عن تدليلي والخوف علي

ماذا يعني لو صدمت وأتعبتني الحقيقة؟

ماذا يعني لو مرضت؟

سأتشافى ..وأنمو 
 
 

نحلّي؟

قريبتي كانت تخدم زوجها بتفان

عندما مرضت لم يعتن بها

جاحد؟

أنا أيضا قلت هذا

بعد أن فكرت قليلا عرفت أنها كانت تخدمه اتقاء لشره .. لم تخدمه بحب

آخر (شقفة).. كن صادقا من أجل نفسك أولا  
 
 
لا تقليد في الأصول
(التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد) 

أحاول أن أفهمك:

كان يجب أن أعرف، تكرار المحاولات المضنية لحل مسألة دون طائل يدفعني للتساؤل إن كانت ممكنة الحل أصلا، لعل بها خطأ ما، لماذا تركت نفسي أطارد السر لسنوات، شوشوا تفكيري بالحديث عن الحسناء ودلالها، وأنه إن كان مطلبك غاليا فلن تحصل عليه بسهولة، كان يجب أن أشعر بأنني لا أقترب من الوصول إليه حتى، الهدف الذي لا تقربك إليه الخطى هو سراب.

من أجل أن أعرفك أحتاج لمحو ذاكرتي:

قضيت شطرا من عمري أتقرب إليك، كيف أتقرب إلى شيء لم أعرفه؟

كل سمسار يضع منصة ويبيعك، باعوا منك ملايين النسخ المزيفة، الذين التقوا بك فعلا وعرفوك قليلون.

توهمت زمنا أنهم يمتلكونك، أنهم جاؤوا بك إلينا، كابدت الكثير لأفهم أنهم يقصون لنا ما رأوه منك فحسب، إنهم يرسمونك كما تملي عليهم عيونهم.

موسى يقول الحق معي، وعيسى يقول اتبعوني لتنجوا، محمد يقول: من يتبع هذين هالك.. أنا وحدي من يمتلك الطريق.

ثم يضع أحدهم كفه بكف الآخر وذراعه على منكبه ويمضون أخوة متصالحين، ونحن نقف مشدوهين، ما قصة هؤلاء الكاملين؟!

نظرية:

بعض الأشياء يمكن تجميعها، أجهزة الكمبيوتر مثلا، بعض الأشياء لا يصلح فيها الخلط، جداول الحمية مثلا.

عندما قصدته وشكوت إليه تعبي، وعدني بالعلاج، وكتب لي وصفة، الوصفة عقد ينص على عدم الخلط ولا المخالفة.

أفهم أنها الطريقة الوحيدة ليطمئن بأني لا أفسد ما يصلحه، يقولون أن السمك واللبن لا يجتمعان لأن أحدهما يلغي فائدة الآخر، وأن بعض الأطعمة اجتماعها يحولها إلى سم، لكي يطمئن إلى سلامة سير برنامجه يجب أن يتأكد بأني لا أتناول ما يعارض مقترحاته، لذلك يعمد إلى إخافتي، يؤكد لي بأن وصفته كاملة، وأن أي إضافة خارجية ستفسد كل شيء، هذا لأنه يعاملني معاملة الجموع، وصفة واحدة من أجل الجميع، لا وقت لديه ليستقبل كل مراجع مزاجي مثلي يناقشه في استبدال الليمون بالكيوي لأن كلاهما مصدر لفيتامين سي، هو لا يخبرني أصلا لماذا وصف لي الليمون، لا وقت لديه، لذا يكتفي بإسكاتي.

 

إعادة فهم الأشياء:

أكثر الأشياء سخفا أن تكتشف وأنت في وسط الطريق أنك لا تعرف إلى أين تتجه؟

لماذا يركز مرسلوك على تعليمنا طاعتك والخوف منك بدل معرفتك؟

من حقي عليك قبل أن أطيعك أن أعرف ما أنت؟

انظر كم عيونهم بشعة أولئك الذين صوروك كائنا قويا وساديا يستمتع بإنتاج كائنات ضعيفة ويزج بها في الجحيم!

وإلى بؤس خيال أولئك الذين جعلوك ملكا مزاجيا قرر أن ينتج ملايين العبيد ليطيعوه، وركب فيهم برنامجا أسماه الفطرة، وبذلك يكون قد خط مسبقا المسار الذي سيتبعه النمل المسخرون، وأي نملة تحيد ستهلك؟

لو صح هذا التصور فإنك تبدو لي مثل طفل يقف عند جدار ويراقب لعبته التي أدار زنبركها وأطلقها عند الجدار المقابل لتمشي مسيرة وتصل إليه، كم مليون سنة وأنت تلعب هذه اللعبة المملة؟ ولكي تتخلص من الملل حفرت حفرا على جانبي مسار اللعبة لكي تقع فيها إذا حادت، ومع الوقت وضعت بعض العلامات على الطريق، ولعب أخرى تمثل دور شرطة المرور.

الخاشعون المهيبون قالوا أنك حقيقة خفية سجيتها الجود، أفاضت الوجود على العالم، فتألق بالأنوار، فالكاملين كسر كبيرة من النور، والصغار فتات المرآة المتشظاة.

ما معنى هذا؟ هل يمكن أن تفسر لي ما الممتع في أن ترى نفسك متشظيا في ملايين المرايا؟ وما الفرق بينك وبين زوجة أب بيضاء الثلج، التي لا تفعل شيئا سوى النظر إلى نفسها في المرآة؟

العقلانيون يفسرون غيابك بأنه أسلوب الأب المربي الذي يريد أن يصنع من أبنائه أقوياء مستقلين، ما رأيك لو فعلت مثلك؛ وهجرت منزلي وتركت أولادي تحت رحمة بعضهم بعضا؟ النتيجة معروفة: الكبار سيتدبرون أمورهم ويهملون الصغار، بعض الكبار سيستغل الصغار ويستضعفهم، الصغار منهم من سيتحول إلى عبد ومنهم من سيصنع منه الظلم شريرا مخربا مؤذيا.

لو ذهبت في سفر طويل وتركت طفلي الصغير، ثم عدت لأجده يرتدي بلوزة أخته الواسعة، لو وجدته مكشوف العورة ويأكل ما لا يصلح للأكل، لو رأيته لا يحسن التصرف، فلن أعاقبه بل سأبكي عليه وأعاقب نفسي.

فاقبلني يا أبي طفلة لا تحسن التصرف لأنها لم ترك منذ ولادتها، ها أنا أعلّم نفسي بنفسي فلا توبخني ولا تعاقبني:

إعادة تعريف الأشياء :

الصلاة :

هل ترضى لنفسك أن تقاد كعبد، تقول كلاما حفظوك إياه وتؤدي حركات لا تفهمها؟

أنا لست دمية راقصة، أنا ابنتك، عليك أن تفهم أنك حين أوجدتني هربت بعض جيناتك الألوهية وتسربت إلى روحي، إذا كانت غلطة فلماذا أدفع أنا ثمن غلطتك؟

الخاشعون المهيبون أخبروني بأننا نحن النمل نحن الفتات كلما تمرغنا في الذل تألقنا أكثر، سئمت هذا الهراء.

منذ متى وأنا أرقص لك كدمية لتحبني وترضى عني؟ فلماذا لا أزداد إلا بؤسا؟

من أجلك أنت خالفت الوصايا وسمحت للغرباء بالتسلل إلى مقصورتي، أمّلت أن أسمع منهم هراء أقل:

قال أحدهم وكان يعاقر الخمر (لو لم تكن رأس العبادات لعدت من صالح العادات، رياضة أبدان وطهارة أردان وتهذيب وجدان وشتى فضائل يشب عليها الجواري والولدان).. قلت فلتكن عادة حسنة ورياضة، سئمت، لم تقنعني هذه الوصفة البليدة.

وقال أحدهم وكان يؤمن بأنه في حياته السابقة كان ثورا وفي حياة ثالثة كان مزهرية (نحتاج للصلاة من أجل الاسترخاء، الصلاة مثل أن تطفئ جهازا ليبرد، الصلاة يوجا).. ومارست الصلاة/اليوجا، لكن يا دكتور أنا جئت أطلب وصفة للروح وليس لأطيل شبابي وأقوي جهاز مناعتي!

كل ما تبقى لي أن الصلاة موعد معك، وأنها الوسيلة الوحيدة لأتصل بالأب الغائب، احسب كم ميسد كول على جوالك وأنت لا تجيب.

أحاول التوغل فيك، لو كنت لجة بحر فسأخوضها وإن كنت لا أجيد السباحة، أو كنت غابة كثيفة مظلمة متشابكة فسأشقك عدوا ولا أبالي أن مزقت جسدي الأشواك.

الدعاء:

نتعلق بالأم لأنها هرعت إلينا يوم صرخنا شاكين جوعنا وعرينا، أيها الرب إن أردتنا متعلقين بك فاهرع إلينا إن دعوناك، شرطتك يقولون أنك وضعت شروطا للإجابة، أمهاتنا لا يفعلن، إنهن يقبلننا رغم مرضنا أو قبحنا أو ضعفنا أو جهلنا وحتى رغم إساءتنا.

سأدعوك لأن يقيني بأنك موجود، سميع، قادر، كريم.. وسأغتنم مواقيت ومواطن التظاهرات، حين يعتصم الخلق ببابك، باجتماعنا نكون أقوى، صوتنا أعلى، نعرف كيف نخاطب ربوبيتك يا صمد.

الحج:

هل تحاول اختبار انقيادنا وتكريس عمانا حين تأمرنا بأداء طقوس بلا معنى؟

أم تستجيب لغرائزنا الوثنية البدائية في استرضائها لقوة غيبية عبر طقوس غامضة؟

أؤمن بأن الأمكنة تنال شرفها بما نقلدها من إيماننا، ما مكة والنجف والقدس وكربلاء إلا أماكن حطت بها رحال مسافرين مهمومين بالحقيقة، نزلوا بها ثم ارتحلوا وخلفوا وراءهم حرارة الإيمان وصدقه.

المعصومون:

لأنك موجود راق جدا، ونحن كائنات خسيسة، فمن البديهي أن لا نفهم لغتك، لذلك أوجدت الكاملين ليكونوا المجال المتوسط الذين يندمج فيه اللونان.

لا أعبأ بالهذر الكثير حول المعصومين ومقاماتهم، ولا كيف استحقوها؟ ولا بالمقارنات بينك وبينهم، ولا بالوعيد لمن يشك في الغرائب المنسوبة إليهم.

أتصورك شمسا تحتل الأعالي ونحن قطرات يشدها ثقلها للقاع، والكاملين خيوط أشعتك الهابطة من سمائك، كل قطرة تتعلق بخيط ضوء، الكاملون قنوات وسطى قيّمة وشاهدة على مرحلة التحوّل، تحوّل القطرة إلى بخار صاعد تمهيدا لتلاشيه في الطاقة العظمى.

أجنّة معلقة بحبالها السرية إلى المشيمة الأم، والحبل مصدر تلقيّها الأرزاق، كلما تعاظم البخار الصاعد اتسعت القناة وقصرت، وصغر المخزن وارتفع، حتى تحين لحظة التلاشي، إنها قصة الانتقال من الأسفل إلى الأعلى بمباركة الحبال، هذي هي قصة المعصومين.

أكثر القطرات لا تملك الرغبة أو الشجاعة في وهب مخزونها، لأنها تخاف التلاشي، بخل يركسها في الفقر، فتستبدل الصعود بالتدلي، وتقنع.

بعض القطرات بحلمات كثيرة مشرئبة للنور، هذه لا تلبث إلا برهة وتتلاشى، مثل شهاب خاطف يضيء لومضة ويخفت.

تخيل قطرة انقطعت حبالها في الصعود، انقطع بها الطريق، لا هي خزان ماء غاف على القاع الرطب بسلام، ولا هي تلاشت واستراحت، فقاعة تطّوح في الفضاء الواسع وعلى وشك الانفجار، تعالج احتقانها بالبخار الساخن  وتكابد التحليق منفردة.

فقاعة ضائعة لم تسلك الدرب، ويقودها تحليقها المتعثر إلى مواجهة الطاقة العظمى بلا مجال يخفف وطأة الصدمة، أشفق عليها من لحظة تلاشيها، ستكون انفجارا أشبه بانشطار الذرة.

هل يمكن أن ينقطع عنها المدد الأعلى، يبرد البخار ويتكثف على جدرانها فتهوي للقاع؟

الإمام الغائب:

ألا تكفيني قسوة غيابك؛ وتركي في وصاية خليفة، هذه المرة تختار لي كفيلا غائبا؟!

الشيعة قادمون!

هل التشيع مبدأ النفوذ إلى الأعماق؟ وإلى أي حد؟ هل يوصلك للحقائق العميقة أم يودي بك إلى الغلو والتطرف؟

أو هو نظرية ذكية تدرك احتياجات الإنسان وتلبيها؟ وهل تلبيها تسامحا وتأليفا للقلوب؟ أم استقاطبا للجموع وكسبا لتأييدها؟

لا أعرف، لكني أعتقد أن مبدأ من السماحة بحيث يتسع للماديين والروحانيين على السواء، يتسع حتى للمازوشيين والشواذ والمهووسين هو مرشح بقوة ليسود العالم.

 

(4) تعليقات
أنا آتيك

أحتاج للحديث معك، لتسمعني وتخبرني أنني بخير، لكنك لا تسأل عني ولا تتفقد أحوالي، بالتأكيد .. أنت عالم دين ولا يليق بك أن تسأل امرأة أجنبية عن أحوالها، حتى لو كنت تعرف كم هي قلقة وبحاجة للاستقرار، حتى وأنت واثق أنها غير خطرة ولا مغوية، وأنها تحتاجك كطبيب روحاني يخبرها عن مدى الأضرار التي ألحقتها بنفسها، لأنها بلا أم توبخها لنزول وزنها، وتذكرها أنه ( لا ينبغي للمرأة أن تعطل نفسها ولو بقلادة تعلقها في عنقها ).

 أود أن أخبرك أولا أنه لو كان لك أخت، وحتما لك أخت، ورأيتها لا تعتب عليك ولا تطلب عونك فلا تدع ذلك يشعرك بالاطمئنان أنها بخير وفي غنى عنك، هذا ليس بمؤشر جيد، إنه يعني أنها يائسة منك، وأنك غير موجود بنظرها.

  قبل أيام وجه لي أخي كلاما قاسيا جدا، رفع صوته بوجهي وقال : ( أنت ضعيفة الإيمان، لو كنت تؤمنين بالله لمكثت في بيتك وجاءك رزقك ورزق أولادك من حيث لا تحتسبين ).

تجاهلت ألمي واحتملته، قلت له : ( أعرف ذلك، أعرف أن رزقي يأتيني وأنا في بيتي، لكني لا أريده أن يأتيني إحسانا من أحد )

قال أن الدنيا غابة وأن الرجال وحوش وأنني ألقي بنفسي في الخطر وأن صيانة ستري أوجب علي.

أقرأ هذه الأيام قصة ( عزازيل ) لعلك قرأتها، أنت متابع جيد لكل جديد.

أقرأها في طريق ذهابي وعودتي للعمل، وأجفف دموعي باستمرار لئلا يتشبع نقابي بالملح فيحرق جفوني، قالت لي صديقة : ما زلت في الصفحات الأولى! ماذا ستفعلين إذن في النهاية؟ إنها تعدني بمزيد من الحزن، وهيبا الراهب يعدني بالكثير ليبوح به عن عذاباته وحيرته، عن أستاذه الأسقف نسطور عن شيطانه وعن مرتا الجميلة.

في الطريق يرفع السائق صوت المسجلة بأغان لا تنم عن ذوق، ويقاطع قراءتي بكلمات قليلة لا معنى لها، وعندما يوجه لي الكلام يلتفت بجسمه كله ناحيتي.

أفهم تماما كيف ينظر إلي، وبماذا يحدث نفسه، لكنه لا يفهم أبدا كيف أنظر إليه و بماذا أحدث نفسي؟

في العمل لدي موظف جديد أدربه، تنقصه اللياقة واللباقة والتحكم في تصرفاته العفوية البدائية، لدي مدير بدوي فظ، وزملاء بين مسلم ومسيحي.

يبدو وضعي خطرا بالنسبة لأخي، ربما بالنسبة لك أنت أيضا، لهذا أشعر بالحاجة للحديث معك، لتسمعني وتقتنع أو ترفض .. إذا أقنعتك سأشعر بالاطمئنان، لأن كفتي سترجح بك كثيرا، وإذا رفضت فلن أطيعك كما لم أطع أخي، لأني أعتقد بأني الأعرف بحالي وباحتياجاتي ..

أريد أن أخبرك بأني رغم هذا العناء أشعر برضا عميق، العمل في وسط مختلط لا يؤدي للرذيلة، هذا ما اختبرته، عندما اقتربت من الرجل أكثر فهمته أكثر، وجدته إنسانا يشبهني جدا وهذا أسقط نصف سحره، ثم رأيته على سجيته فسقط النصف الثاني من السحر.

رأيت رئيسي كيف يتزلف للكبار، كيف يبدو أمامهم بلا حول ولا قوة، تماما كما تبدو زوجته أمامه!

يدعي الرجل الشجاعة، لكني رأيت الجبن بعيني حين يحاول بعض الزملاء التملص من أخطائهم بإلقائها علي!

اكتشفت إن التصرف بذوق وأتكيت مهمة شاقة على الرجال، عندما تعمل معهم بنفس المكان تكتشف كم هم بدائيين بشكل منفر.

أود أن أخبرك أنني بخير، وأن العمل في وسط مختلط لم يضر بي، ودعني أنسب الفضل لصاحب الفضل، ربي الذي حفظ موسى الرضيع ملقى في لجة لا يدفع عن نفسه ضررا.

ولأكون صادقة معك أنا لم أسلم من الضرر، لكن ليس الضرر المزعوم.

أكثر ما أضرني هو ...

أنني عرفت أن بإمكان المرأة أن تعمل، أن تعتمد على نفسها، أن لا تحتاج إلى رجل لكنها حين تحقق هذا الإنجاز العظيم تكون قد خسرت، خسرت ما يجعلها امرأة بسيطة محتاجة للرجل .. هذه الحاجة التي هي جزء من تركيبها، وإذا خسرتها لا تعود هي.

 

(1) تعليقات
الفضائل كلها تشير إلى العباس

لأنه حين زارني للمرة الأولى قدم نفسه لي بأنه المثالي الكامل، هذا ما أفشل الفخاخ الاعتيادية في اصطيادي.
المحاولات الذكورية الساذجة للفت انتباه الإناث ما كانت تعمل معي، دائما تعلق نظري بالكاملين الناضجين، أو من نجحوا في أن يبدوا كذلك.
خلافا للناس لا أملك معيارا شخصيا لتقدير الآخرين، لذلك أعرف أني أبدو جاحدة وعديمة الوفاء، لا تتعب نفسك في إسداء المعروف لي، اجعلني أقدرك تملكني.

قبوله أخذ الفنجان الذي سكبته أخته لنفسها بلا سخاء حقيقي منها في وهبه، الاستدانة من زبائنه ومماطلتهم، استمتاعه بقضاء الأوقات منفردا عن عائلته، ويسألني ماذا فعلت بك لأستحق رفضك !؟
أما الناقصون وعديمو المروءة فلم أحبهم، وأما الكاملون فآذوني، عبادة الأصنام كانت خطيئتي والخذلان كان نصيبي.

الخيبات تمارين، طريقة الغيب في حذف الإجابات الخاطئة، وتقريبك من الجواب الصحيح.

وكما تخيرت التفاحة إسحاقها، وقع إلهامه بقلبي،منحني الإجابة وغاب في خلوده
منذها وأنا أترقب مواسمه، أقص أثره، أجمع كل ما يقع منه، وأشكل لوحتي الأخيرة
طهرني من رجس الإجابات الخاطئة وألهمني أجوبته

سألني عن معنى الحياء؟ قلت أنه حالة انكسار تتبع تصرفنا بحماقة
صحح لي و قال أن الحياء هو أن تتوقع منك (المرأة) شيئا وتخذلها
وعن ما هو أقسى من الموت أجاب: أن تفقد (المرأة) بموتك عزها

صارت صفاته عندي هي المعيار، وصار جمعها هوسي، بعد أن أكملت مجموعتي أو كدت؛ وجدت أن الفضائل كلها تشير إلى العباس
 
قلت للمرأة : لكنك أكبر منه !
قالت : لا تحتاج المرأة رجلا أكبر منها .. تحتاج رجلا يتسع لها .. يتسع لخوفها .. قلقها .. تعبها
ثار بجوفي مرضي المزمن وقلت : حتى الدواب تحمل الأثقال
قالت : لكن المرأة لا تسند رأسها على كتف دابة
  
طرت بمعياري الجديد وطفت أقيس به رجولاتهم فتهاوت
لهذا يوم فتح مكة هو يوم النصر الأكبر ، لا مجد يضاهي يوما تتحطم فيه الأصنام
 

(0) تعليقات
فصول من حزني المقدس - الورقة الحادية عشر

بعض المفاجآت لا تفقد دهشتها رغم التكرار.

فكرت بذلك حينما قال لي مديري ( أنا لا أفهمك، أشعر أنك طيبة جدا، لكن أحياناً ...) ولم يكمل، كان مصعوقا من تعليق أطلقته بشكل عابر.

يتكرر معي كثيراً أن يعتقد الناس أني طيبة بشكل مطلق، وفي كل مرة تتجدد دهشتي : ما الذي يجعلهم يعتقدون ذلك؟!

عندما يعجز الناس عن فهم دوافعك، ومع ذلك يطلقون أحكامهم، لماذا عندئذ يحملونك مسؤولية صدمهم؟

بعض الأمور يصعب حسمها، مرة لأنها نسبية، ومرة لأنها ملتبسة أصلا.

ابنة الخمس سنوات التي وضع الطبيب قرص سماعته البارد على صدرها ورأى في عينيها ما جعله يغمض نصف إغماضة ليوهمها بأنه لا ينظر لصدرها المسطح، والذي قال لأمها لاحقا : لا تدعو أحدا يؤذي هذه الطفلة!

الطفلة التي كانت تمرض لأن أختها الأكبر نظرت لها نظرة مرعبة أخافتها، تمرض لأن أخاها الأكبر أختار غرفة نومها نيابة عنها حسب تفسير الأم، والتي كانت تصاب بالحمى وتدخل في غيبوبة لأنها أكلت حبات من النبق جمعتها في ذيل فستانها الأحمر المثني، على مرأى من نسوة حزينات وناقمات.

ما زالت بعد هذه السنين هي ذاتها المرأة التي تمرض لأن ولدا ضخما أبرح طفلها الهزيل المسكين ضربا، تمرض لأن الجيران مزقوا ملاحظة وألقوا بها عند بابها والحقيقة أن جارا ثالثا هو من ألصق تلك الملاحظة ببابهم، هي من تسعل باستمرار بحجة أن الحياة غير عادلة.

امرأة بهذه الهشاشة تدفع دبلوماسيا مرموقا ليصرخ بشكل يائس : أنت ديكتاتورة !!

هي من جعلت فنانا ملهما بتلامذة ومريدين يلقي سلاحه ويمضي يائسا وهو يقول : أنت قلعة !

قلعة .. ودكتاتورة ... وما زالت تسعل باستمرار لأن خطيبها لم يجد غير صديقتها ليتزوجها.

 

(2) تعليقات
فصول من حزني المقدّس / الورقة الخامسة

......................................................................
...............
لم أجد في الفكر الدينيّ الأفق الذي يملأ وجداني، أهل الفقه وجدتهم فجّين ومحدودين،  والروحانيون عرفاء وصوفيين وجدتهم غلاة وحالمين، أمّا عامة المتديّنين فكانوا مصابين بالبلادة والعمى.

استهواني نموذج المثقّفين، لم يكونوا مأطّرين، ويصعب وضع تعريف لهم، لكلّ منهم منهجه    الخاصّ، أكثر ما استهواني في الثقافة أنها خلافا للدين لاتحتكر الحقيقة، لا ترجم الآخرين بالضلال، في الوقت نفسه هي طريق جادّ وملتزم.
 
أحببت د. مصطفى محمود واعتبرته رمزا، ووجدت في د. ثريّا العريّض الصورة التي استقرّت لها نفسي، كرهت نمط نساء مجتمعي: المرأة التي تتعثّر بأذيالها وتسقط لوجهها حياء من الرجل، ولم تطربني قصص أمّي عن النساء الورعات اللاتي إذا طرق الباب أجنبي خشّنت صوتها وتظاهرت بأنها عجوز، وإذا خرجت لبست أردأ ثيابها، لم أحبّ الشيخات المسترجلات، لم يكن ينقصهن إلاّ العباءة والعمامة!
 
فتنتني ثريّا التي تتحدّث مع مُحاورها بتلقائية، بثقة وبلا وجل، ترفع كفّها برقّة، وتضحك بلا تكلّف، امرأة لا تشعر بالعار من أنوثتها، ولا تعاني عقدة أنها سهم للشيطان، في الوقت نفسه لم تكن امرأة فتنة وإغواء، كانت معتدّة بنفسها، فخورة بأنوثتها. 

لكن إيماني بالثقافة لم يستقرّ، ما لبث أن تزلزل، حين وجدت الثقافة كالبحر، تعبّ منه ولا ترتوي، بل تزداد عطشا، لم تمنحني الكتب اطمئنانا ولا راحة.
 
كنت أشعر كالمصلّي إلى غير ناحية القبلة، مثل القانت لغير ربّ، لم أعرف للثقافة ربّا يمنح  روحي الطمأنينة، كنت أقرأ لنوع من البشر قلق ومعذّب، (لا ينتمي للأرض ولا تقبله السماء) بشر ينهل من متع الحياة شابّا، وعندما يهرم يلعن الحياة، ويموت مكتئبا أو مجنونا أو ملحدا أو منتحرا أو صعلوكا.
أيّ طريق هذا الذي لا يكرم روّاده وسالكيه بميتة تليق؟ أيّ طريق طويل وموحش ولا تفضي نهايته لبصيص نور؟

نأيت عن ربّ المتديّنين العنصري الديكتاتوريّ غير المنطقيّ، لكنني لم أعثر في الناحية الأخرى على ربّ بأيّة صفة!

اتّجهت للكتابة بلا تخطيط، كأنه كان محتّما عليّ ذلك، في الكتابة كنت أعوّض عن ضعفي وعجزي إزاء الحياة، أخلق عوالم موازية، أنا من يتحكّم فيها بكلّ شيء، أقيم العدل، وأوقع القصاص، أضفر الجميل والمنطقيّ مع القبيح واللامنطقيّ، كما يفعل إله.
 
بشكل مفاجئ باغتني الصمت، وتوقّفت عن الكتابة، بدأت أفقد إيماني بها، صرت أنظر للأدب بعين الشكّ، شككت في حقيقة الفنون كلّها، وفي جدواها.
من الأوصاف الغريبة التي تطلق على إبليس اسم (كلب الله) اسم غريب، إنه يعني أن إبلس يعترض سبيل القاصدين لله، حتّى يصرفهم عنه، وهو بذلك ودون أن يقصد كأنه يحرس حضرة الله عن الأدعياء وغير المخلصين.

عقيدتي أن الله فخّخ الطريق إليه وزرعه بالألغام، الله البديع، فاطر السموات والأرض، أبدع أنواعا من الشراك بلا كلاليب تجرح، ولا انفجارات تحرق، لكنها أشبه بدوّامات وأعاصير،
تعصف بك وتبتلعك، مثل ثقوب سوداء، لا تعرف إلى أين تأخذك؟
 
بينما أنت سائر إلى الله، باحث عن جماله؛ تبصر طريقا عابقا برائحة الله، تسير فيه موقنا أن هذا الخشوع الذي يتلبّسك علامة، إشارة من الله أنك في الطريق الصحيح، تغازلك إشراقات نوره، فإينما التفتّ وجدته، تتغلغل فيك النشوة حتّى تصرعك، إيمان يسكن جوارحك أنك على هدى وخير، وبالكاد تبصر تلويحات من بعيد، من خارج جنّتك، أيدٍ تجهد لتنبيهك أنك في فخّ، وصدى صوت بالكاد يبلغك أن عليك أن تنجو.

الفنون كلّها ثقوب سوداء، مصائد، ترتكز فكرة المصيدة على أساسين: طُعم يغريك، وخطر مهلك، في الفنون نلمح إشراقات الله بشكل باذخ، وإذا كان (كلّ ما في الكون مرايا تعكس جمال الله)؛ فإن الفنون هي المرايا الباهرة الصفاء، هذا هو الطُعم، أمّا خطرها وخطيئتها التي طردتها من ولاية الله فهي أنها مفصّلة على مقاس النرجسية، فلا تجتذب إلاّ من طغت عليه هذه الصفّة.

وعيت هذه الحقيقة ولذت بالفرار، لكن للفخاخ مذاق المسكرات، الفارّ منها كالخارج من مصحّ تأهيل، يستحيل أن يعود لفطرته الأولى، نظيفا كما كان قبل خوض التجربة، يبقى يساورك الحنين لحالات الذهول والصرع، تحنّ للذة السكر.
يريد الله منّا أن نسلك الدرب الأكثر وحشة، يريدنا أن نتجرّد من طمعنا، وجبننا، أن نخلع عنّا  ذواتنا، ونؤمن به وحده كهدف. إنه الشرط الوحيد .. الوسيلة الوحيدة لتدخل في ولاية الله.
 
 

(5) تعليقات
بـحـنـــانـك

         بحنانك

كم مرّ من الوقت ؟  

 أين وصلنا يا حادي؟

 جرفتني الأحلام

 كم نمت؟

 يا دليلي الوقور

 صبور على حماقاتي

 أعرف أني اخترتُ غير الدرب

 وأنك سيّد الطرقات

لكنني خلف حدسي أسير  

لستُ الحمامة تعشّش على عمود كهرباء  

 لكني الحمامة تضمر بيضا وتحلم بالفراخ

 ذات ذكرى سحيقة

 مطمئنة لحقائبي العامرة

 وخارطة أهدانيها أبي

وعود أمّي ودعواتها  

 خطرتُ خصرا يميس

 وإطراقةً.. وطرفا كحيل

 ما انجلى المساء إلاّ عن جثّة مدمّاة

 أشلاء أحلام

 ومستقبل من فزع

 منذها والكوابيس تدبّ برأسي

 كلّما غفوتُ رأيت صبية

 مكتوب بين عينيها غُدرْت
 تنبش حقائبها

 و الحقائب ديدان وفئران وأفاع

 قف يا حادي!
 هنا قبر أمّي .. تريّث!

 لن أترجّل

 سأرشّ قبرها من بعيد
 بوابل ملح

 وأرفع كفّي

 سلاما يا معدن الطهر

لماذا سلسبيل حليبك في عروقي يباس؟  

 قولي لرفيقك معطوب الخرائط أني ضللت

 وأنكما أورثتماني يُتما وفجيعة

 قل يا حادي

 إنّي بصوتك .. ببركات خطوك

برشفات قربتك .. بحنانك  

 مذ كنتُ برعما نابتا بكتف أمّي

 حتّى تلجلُج خطوي ممسكة بإزار أبي

 وأنا ألحظك يا متين القوام

 وأحلم لو كنتَ أبي

 ألهتني عنك الأزقّة

 ضعتُ في تلافيفها

 كم لبثت؟

 من فـخّ لجرف

 من جلاّد لشاطر

 تصفعني نهايات الدروب

 فدعني أتيه

 بدرب مقفر ليس إلاّك/ إلاّي

 ربّما أدركتنا النهاية قبل أن ندركها

 

(3) تعليقات
بـــوّابـــــــة

عندما لا تكتب هذا لا يعني جفافا مثلما يظنّ البعض، إنه يشبه أن تتحوّل إلى سدّ، تلطمك السيول من الخلف ويهدّ ظهرك ثقلها وأنت مصمت، لا ترشح.. 

ما عاد يسعه التقاطر من رأس قلم .. ولا السريان خلال لوحة مفاتيح.. يحتاج شفرة تشقّ.. كبر الكائن ويحتاج مخاضا حقيقيا ومعقّدا. 

تقول العرّافة للمختار: أن تكون المختار يشبه أن تكون واقعا في الحبّ، لا تحتاج أحدا ليخبرك. 

لكن العرّافة لم تخبرنا: كيف تشعر عندما تكون بوّابة للمرور ؟ ..
 
 

لسنا كاملتين ولا ذكّيتين، لا أنت ولا أنا، بل على العكس، أنت ساذجة بشكل مثير للشفقة يا أمّي، ينقصك الكثير، وبينما يراك الناس امرأة استثنائية أراك كائنا مسكينا بذل جهدا جبارا ووصل أقصى كماله المتاح، لكن كمالك مثير للشفقة يا أمّي.

 

لقد أحسنّا صنعا ، نجحتِ في إنتاج نسخة محسّنة منك، اغفري لي ادّعائي بأنني أفوقك ذكاء، كمّا أنني أقدر على التحكّم منك، أنت مسلوبة تماما ماما، لا يمكنك السيطرة على غضبك حتّى، المثير للشفقة أنك عندما تغضبين تبدين كائنا بائسا يؤذي نفسه أكثر مما يخيف، ولا يؤثر مطلقا.

 

 الفرق بيننا ليس كبيرا، أنا أيضا أولادي يتهمونني بالضعف، وبأنني مسالمة إلى حدّ لا يُحتمل، يقولون أيضا بأنني لست ذكية جدّا، لكنني أبليت جيّدا أنا أيضا وصنعت نسختي المحسّنة، لستُ أفهم هل أحملك داخلي؟ وهل يحملنا نحن الاثنتين داخله؟ كم جيلا يحمل؟ .. لقد أنجبته يا أمّي. ظهر أخيرا .. السرّ الذي توارثناه، لذلك لم نكن ذكيّتين، أنا وأنت لم نكن ذكيّتين، كنا قناة لمروره فحسب، إنه ذكيّ يا أمّي.. حتّى أنه يشعر بنا .. بي وبك وبكلّ الأموات الذين عبر بهم.

 

 صادم إدراك الإنسان أنه مجرّد قناة، حامل للأمانة، لكن ذلك لا يوازي الألم الذي يشعر به، إنه في ألم دائم، ينعته إخوته بثقيل الظل، ويسمّونه العجوز، إنهم لا يدركون، لكنك حتّما تدركين مثلي أنهم ليسوا مخطئين وإن أساؤوا التعبير، ألم أقل لك أنه يحمل داخله حيواتنا؟

 

عندما كان ذائبا في خلاياي؛ كانت لمعة بهائه تلفّني وتشدّ إليّ الأنظار والقلوب، وفي اللحظة التي تزلزلت خلاياي وتجمّعت عناصره؛ منذ اللحظة التي قرّر الإله أن يستوي السرّ بشرا، صرت أنا عنقودا قًطف عنبه، حلية انتزعت فصوصها، و مذ تجلّى لعينيّ بهاؤه ما كفّت عن البكاء إلا لتغرورق.

 

عمّدتُه بالأمنيات الضائعة، الأحلام التي فسدت قبل أن تفقّس، تلوت عليه وصاياي، مطرق وسنيّ عمره الثلاث تتقوّس تحت وطأة الوعي، وكلّما ألقيت في قراره اتّسع وازدراد نهما.

 

لم يكن بحاجة لشيء غير المفتاح لينطلق، كان جاهزا، ومعدّا بكلّ شيء.

ما أن منحه المعلّم ثمانية وعشرين حرفا حتّى شرع يكتب، يمتاح من بئر غيبية، يرسم مشهدا للقيامة ويرصّ حروفا على حواشي الورقة.

 

تحصّن بصنوف اللقاحات، قبل أن يحصل على سجلّ صحيّ، أريدَ له أن يختزل التجارب في ذاكرته، أن يؤهّل باكرا، كنتُ البرج الذي يتلقّى الصواعق نيابة عنه، أحترق وينتفض في أحشائي.

 

شاركني الإغماءة الخفيفة أثر الضربات التي تتالت على رأسي، كلانا لم يشعر بالألم ، بل بخوف عارم وجفاف في الحلق، لا ألم ، فقط لزوجة السائل الأحمر تغرق ياقتي وتسيل على الظهر، والغرز الأربع ولفافة الشاش والأنّة المكتومة، وإنكار ما حدث!

 

بأوردتنا حقن ذات المصل السماويّ، يدبّ الخدر بي، فتستكين جوارحه الصغيرة، تتلقّى الوحي الأول، ترتعش شفتاي بالاسم ، يجفّ الأكسجين من غرفتي، وتسيل دمعة.

 

مقسوم لك أن تعيش المعجزة الكونية؛ الفتور إذا يدكّ الهيكل خشوعا أو انتشاء، والروح إذ تلوب وتكابد العروج، وإذ أنت شيء لم يملك اسما بعد.

 

هذا النزف كيف أفصده منك؟ هذا المارج عليه أن يجد ثقبا ويسيل قبل أن يفيض ويُغرق ويسدّ عليك الثغور.

أعيذك بالأسماء من لعنة الشعر موئلا .. كن نبيّا، وتجافَ عن محرقة الشعر.

 

(0) تعليقات
ســـيـر وســـلـوك

    لامعة وصلبة .. لامعة وصلبة .. تنتقل عيناي بسرعة، في أثرهما تتحرّك يدي، امتلأ الكيس بالليمون، بينما امرأتان مصريّتان تثرثران وتتخيّران حبّات البرتقال برويّة وحرص، بالكاد ملأتا ربع الكيس، هل تغتاباني في سرّهما الآن؟ : "السعوديات ستّات بيوت فاشلات، ولا يحسنّ إدارة المصروف"

 

مرّ صبي فلسطيني وأمّه الصغيرة، الصبي بطول أمّه، بُنية الأمّ كبنية الصبي، يقول وجه الصبي بأنه لم يتناول إفطاره، يتبعهما الأب بملابس مكرمشة بشكل مريع، واضح أنه نام بها وصحا للتو، قالت المرأة: " لا شيء اليوم "، لم أفهم معنى " لا شيء" بينما السوبرماركت عامر بكلّ شيء، وعربات المتسوّقين ممتلئة، لا يبدون كعائلة تتسوّق، بل كثلاثة عصافير جائعة تفتّش عن رزقها.

 

أتريّث في المشي ليبدو سيري سليما، تعثّرتُ بالأمس والتوى كاحلي، أحرجني الجزّار حين رفض أخذ ثمن للعظام، قلت له : لديّ المال، هل تعطونها للجميع بلا مقابل؟ قال: نقدّمها مجانا، هل تريدين المزيد؟

أحتاج العظام لتحضير الحساء، هل يظنّ أنني لا أستطيع شراء اللحم؟

ثلاثة رجال كانوا بالداخل، ورجلان بالخارج، لم أنتبه للدرج، انزلقت قدمي ووقع الكيس من يدي، ارتطامه بالأرض كوقع الكعب العالي، اصطكت العظام مثل علب فارغة، كان صوتها مريعا، .. " تبّا ! ما هذه العظام الضخمة ؟! " .

 

Nooooo no more sorrow  يدي تتخبّط داخل الحقيبة، ونغمة الجوّال تعلو، " من وضع هذه النغمة الفظيعة ؟" أخرجته أخيرا، يومض على الشاشة ( بابا الغالي ).

 

-       صباح الخير أم محمّد .. اتّصلتُ بالبيت ولم أجدك .. كيف حال الأولاد ؟ هل ذهبوا للمدرسة ؟ أريد أن أتحدّث معك قليلا .. أودّ أن أسألك بما أني لا أستطيع الحديث في هذا الموضوع مع أحد غيرك .. تعلمين أن السير والسلوك أمر يجب كتمانه، فكيف لي أن أعرف .. أريد أن أسأل لماذا تمرّ بالسالك لحظات روحية عالية ثم تنقطع عنه؟ ما هي الذنوب التي تقطع الطريق على السالك؟ .. تعلمين .. ليس بالإمكان أن لا يذنب الإنسان أبدا .. المشكلة أن غلطة واحدة تعيدك للوراء مراحل ..

-       قرأتُ مرّة أن هذه الحالات الروحية القصيرة والعابرة ليس لنا فضل فيها، هذه عيّنة مجّانية يقدّمها لنا الله حتّى نتعرّف على الحالة، ثمّ علينا إن أردنا استمرارها أن نعمل مقابل ذلك .

-       غير صحيح .. لا لا .. هذا ظلم .. من قال أننا نحصل عليها مجانا ؟

-       عموما لا علم لي بهذه الأمور، أنت مهتمّ بهذا الموضوع أكثر مني. لماذا لا تسأل المختّصين بهذه الشأن ؟

-       لا .. لا ينبغي للسالك أن يعلم به أحد .

-       ....

-        عموما .. شكرا لك .. وآسف لإزعاجك.

 

أقف في الصفّ أمام الكاشيير، وأدعو ألاّ يقف فضوليّ خلفي.

" اهدئي .. ما بك ! .. هل يرضيكِ أن تكوني عقبة في طريق السالكين إلى الله؟ "

أذكر الله وأصلّي على النبي لتحلّ السكينة بقلبي، أدفع للكاشيير ببطاقة الصرّاف، " تبا لك ما أوقحك ! هلاّ نظرتَ في عيني لأجد لك عذرا .. لو تبحلق في يدي فأتغاضى عنك .. لكن لا تنظر هنا ! "
 

السير والسلوك إذن ؟ كيف ؟ وجريمتك ماثلة كجثّة مصلوبة في ساحة عامّة؟

 

يخرجون واحد تلو الآخر، كلّ يحمل أشيائه وينطلق بسيّارته، وطليقتك تقف بانتظار سيّارة أجرة.

 

(3) تعليقات
الكتابة خيارا .. وأنت مختارا ..

لماذا الكتابة؟
لأني قِبلة الأسئلة، مغناطيس يجذب دبابيس كلّ أدوات الاستفهام، ثقب أسود يبتلع الأسرار و لا يمتلئ.

لأني متخمة بالأسرار والأحاجي، لأني نهر لابد أن يفيض، كانت يدي قسراً تفيض بالحروف ..

لأنك الوحيد بين ذوي العباءات من يصغي، من لا يستنكف أن يستمع لامرأة، من لا يتوجس أنها طُعم إبليس.

لأني أثق بأنك لا تطمع، ولا تساوم، و لا تغرّر... لأنك وحدك بينهم إنسان وشيخ في آن.
 

كان الله أبا صارماً معي؛ حين ألقى بي في هذا العالم المتناقض، وهو يعلم أنني أرهف من أن أحتمل كلّ هذا التناقض.

هل يُفترض بي يا ربّ أن أتسلّى وأنا ألهث في دروب المتاهة، السدود تتقاذفني وكلّ مجهول يسلمني لمجهول؟

ليتني أعرف كيف تشعر يا ربّ وأنت تتصفّح ذهولي أمام مفاجآتك، حين يتفتّح برعم أصيصي الذي أرعاه عن شوك وعلقم؛ وبستان جاري الذي يسقيه المطر يغصّ بيانعات الثمر؟

عجزت يا إلهي واستسلمت، آمنت بعبقريتك فأخبرني أنت الجواب:

لماذا المتسوّل الذي آويته وآثرته بعشائي، يسرق محفظتي؛ ويتسلّل ليلا تاركا على منضدتي رسالة تشتمني؟

لماذا ذات المتسوّل يقدّم مالي واحترامه لزوج أمّه الذي يركله ليصحو ويصفعه لينام؟

أخبرني يا ربّ ما سرّ الإنسان؟ ومن أي عنصر عفن هو مجبول؟

ارحم حيرتي وعلّمني: لماذا من قالوا نفسي نفسي نجو من الطوفان؛ ومن أذهله عن إنقاذ نفسه إنقاذ الغرقى ابتلعته الأمواج؟

ولماذا المجد للناجين؛ اللذين عادوا يلقون فتات أطواق النجاة؛ والبؤساء يسبّحون بحمدهم ويسجدون؟

لماذا يا رب وهبتني لحافا قصيرا؛ إن غطّيت أقدام طفلي قصف البرد صدره؛ وإن دفّأتُ صدره تثّلجت قدماه؟ 

ليتك حين وهبتني طفلا ولحافا قصيرا؛ كنت أخبرتني أين يجدر بي أن أغطّي وأين أترك؟ لماذا تتركني للحيرة؟

وحين كتبت عليّ يا ربّ التعاسة؛ لماذا خلقتني جميلة وذكية وطيبة؟ لماذا حرمتني من جواب أعلّق عليه فشلي وتعاستي؟  

الرجال الطيّبون كثيرون؛ لماذا لم تمنحني واحدا؟ الآباء الجيّدون كثيرون؛ لم تهبني واحدا، الأمّهات الحاذقات كثيرات، ليس عندي واحدة.

برعم يكتنز الجمال والحكمة كنتُ، أراد أن يتفتّح للحياة فلطمه الصقيع.

أحببتك ياسيّدي وأحببت دينك، كنت مطيعة لك، راضية، مؤمنة ..

لكنني الآن أشعر بالخذلان. انقطع بي الطريق، نفد مني الماء والوقود، لا أنتمي للأرض، ولا أهتدي للسماء.

لو كان التديّن وظيفة؛ أليس من تعويضات، ضمانات، راتب تقاعد؟ .. لماذا تتركني للشكّ؟

يخطر لي الآن أن أتملّقك يا ربّ، وأسرد قائمة طويلة بنعمك وأفضالك عليّ، أنا لا أنكر فضلك، يكفيني أنني أعاني وأشكّ ولم أكن حجرا لا يعي.

يكفيني وميض الأمل في قلبي أنك موجود وأن الخير والعدل صفاتك..

فقط أخبرني؛ خذني لمصنع أسرارك/ طاولة صنع القرارات في سمائك/ لوحك المحفوظ ، وأرني أيّ القوانين تحكم هذه الحياة؟

أرني نهايات الأشياء وغاياتها، صبري قليل، وعمري قصير، ونفسي يضيق عن مجاراة عبقريّتك في صنع الأحاجي ..

أخبرني الجواب .. عجزت عن حلّها يا رب .

 

(7) تعليقات